Minggu, 08 September 2013

KITAB TAUHID

كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة
 
[الباب الأول الإيمان بالله]
الباب الأول: الإيمان بالله إن الإيمان بالله عز وجل هو أهم أصول الإيمان، وأعظمها شأنا، وأعلاها قدرا، بل هو أصل أصول الإيمان، وأساس بنائه، وقوام أمره، وبقية الأصول متفرعة منه، راجعة إليه، مبنية عليه. والإيمان بالله عز وجل هو الإيمان بوحدانيته سبحانه في ربوبية، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، فهذه أصول ثلاثة يقوم عليها الإيمان بالله، بل إن الدين الإسلامي الحنيف إنما سمي توحيدا لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ندَّ له.
وبهذا يعلم أن توحيد الأنبياء والمرسلين ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأنَّ الله تعالى رب كلّ شيء ومليكُه وخالقُه ورازقُه، وأَنه المحيي المميتُ النافعُ الضار، المتفرِّدُ بالإجابة عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يُرجع الأمرُ كله، لا شريك له في ذلك.
القسم الثاني: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله وحده بالذلِّ والخضوع والمحبَّة والخشوع والركوع والسجود والذبح والنذر، وسائر أنواع العبادة لا شريك له.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله تعالى. بما سمى ووصف نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وتنزيهه عن النقائص والعيوب ومماثلة الخلق فيما هو من خصائصه والإقرار بأنَّ الله بكلِّ شيء عليم، وعلى كلِّ شيء قدير، وأنَّه الحيُّ القيُّوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأنَّه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنَّه المَلِك القدوس السلام المؤمن
(1/9)

المهيمن العزيز الجبَّار المتكبِّر، سبحان الله عمَّا يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى.
ولكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة دلائلُ كثيرة من الكتاب والسنة.
فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم.
وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد قد أخذها أهل العلم بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهو استقراء تامٌّ لنصوص الشرع، أفاد هذه الحقيقة الشرعية، وهي أنّ التوحيد المطلوب من العباد هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته، فمَن لم يأت بهذا جميعه فليس بمؤمن، وفيما يلي فصول ثلاثة في كل فصل منها بيان لقسم من هذه الأقسام:
كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة
 [الفصل الأول توحيد الربوبية]
[المبحث الأول معناه وأدلته من الكتاب والسنة]
الفصل الأول: توحيد الربوبية المبحث الأول: معناه وأدلته من الكتاب والسنة والعقل والفطرة أولا: تعريفه: أ- لغة: الربوبية مصدر من الفعل ربب، ومنه الربُّ، فالربوبية صفة الله، وهي مأخوذة من اسم الرب، والرب في كلام العرب يطلق على معان: منها المالك، والسيد المطاع، والمُصْلِح.
ب- أما في الاصطلاح: فإن توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله.
ومنها الخلق والرزق والسيادة والإنعام والملك والتصوير، والعطاء والمنع، والنفع والضر، والإحياء والإماتة، والتدبير المحكم، والقضاء والقدر، وغير ذلك من أفعاله التي لا شريك له فيها، ولهذا فإن الواجب على العبد أن يؤمن بذلك كله.
ثانيا: أدلته: أ- من الكتاب: قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ - هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 10 - 11] (لقمان: 10، 11) . وقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] (الطور: 35)
ب- من السنة: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه مرفوعا وفيه: (السيد الله تبارك وتعالى. .) . وقد ثبت في
(1/11)

الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما:. . «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (1) .
ج- دلالة العقل: دل العقل على وجود الله تعالى وانفراده بالربوبية وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم، وذلك عن طريق النظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه. وللنظر في آيات الله والاستدلال بها على ربوبيته طرق كثيرة بحسب تنوع الآيات وأشهرها طريقان:
الطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس) ، فالنفس آية من آيات الله العظيمة الدالة على تفرد الله وحده بالربوبية لا شريك له، كما قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] (الذاريات: 21) ، وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7] (الشمس: 7) ، ولهذا لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له ربا خالقا حكيما خبيرا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها؟ أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة عظاما، أو يكسو العظام لحما؟
الطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف بـ (دلالة الآفاق) ، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] (فصلت: 53) .
_________
(1) سنن الترمذي (2516) ، ومسند أحمد (1 / 307) ، وقد حسن الحديث الترمذي وصححه، وصححه الحاكم.
(1/12)

ومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من جبال وأشجار وبحار وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقا لهذا الكون، موجدًا له مدبِّرًا لشؤونه، وكلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات وتغلغل فكره في بدائع الكائنات علم أنها خُلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه وأدلة على وحدانيته.
وقد جاء في بعض الآثار أن قوما أرادوا البحث مع الإمام أبي حنيفة في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم رحمه الله: " أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام وغيره بنفسها وتعود بنفسها، فترسو بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟ ".
فقالوا: " هذا محال لا يمكن أبدا. فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ ".
فنبه إلى أن اتساق العالم ودقة صنعه وتمام خلقه دليل على وحدانية خالقه وتفرده.
(1/13)

[المبحث الثاني بيان أن الإقرار بهذا التوحيد وحده لا ينجي من العذاب]
المبحث الثاني:
بيان أن الإقرار بهذا التوحيد وحده لا ينجي من العذاب إن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل عليهم السلام، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية.
ولذا يقول الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] (يوسف: 106) ، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله ربا وخالقا ورازقا ومدبرا- وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.
وبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: " من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون ".
وقال عِكْرِمَة: " تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره ".
وقال مجاهد: " إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره ".
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن زيد: " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربُّه، وأنَّ الله خالقُه ورازقُه، وهو
(1/15)

يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77] (الشعراء: 75- 77) " (1) .
والنصوص عن السلف في هذا المعنى كثيرة، بل لقد كان المشركون زمن النبي صلى الله عليه وسلم مقرين بالله ربا خالقا رازقا مدبرا، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء يدعونهم ويستغيثون بهم وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم.
وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61] (العنكبوت: 61) ، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] (العنكبوت: 63) ، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] (الزخرف: 87) ، وقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89] (المؤمنون: 84- 89) .
فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق
_________
(1) انظر: تفسير ابن جرير (7 / 312- 313) .
(1/16)

العالم وتدبر شؤونه، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه، ويقرون أن أوثانهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا استقلالا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تسمع ولا تبصر، ويقرون أن الله هو المتفرد بذلك لا شريك له، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم شيء من ذلك، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق والرب وما عداه مربوب، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، يشفعون لهم بزعمهم عند الله ويقربونهم إليه زلفى؛ ولذا قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] (الزمر: 3) ، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا.
ومع هذا الإقرار العام من المشركين لله بالربوبية إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام بل حكم الله فيهم بأنهم مشركون كافرون وتوعدهم بالنار والخلود فيها واستباح رسوله صلى الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة.
وبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وتستلزم إفراد الله وحده بالعبادة. فإذا لم يأت بذلك فهو كافر حلال الدم والمال.
(1/17)

[المبحث الثالث مظاهر الانحراف في توحيد الربوبية]
المبحث الثالث: مظاهر الانحراف في توحيد الربوبية بالرغم من أن توحيد الربوبية أمر مركوز في الفطر، مجبولة عليه النفوس، متكاثرة على تقريره الأدلة، إلا أنه وجد في الناس من حصل عنده انحراف فيه، ويمكن تلخيص مظاهر الانحراف في هذا الباب فيما يلي:
1 - جحد ربوبية الله أصلًا وإنكار وجوده سبحانه، كما يعتقد ذلك الملاحدة الذين يسندون إيجاد هذه المخلوقات إلى الطبيعة، أو إلى تقلب الليل والنهار، أو نحو ذلك {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] (الجاثية: 24) .
2 - جحد بعض خصائص الرب سبحانه وإنكار بعض معاني ربوبيته، كمن ينفي قدرة الله على إماتته أو إحيائه بعد موته، أو جلب النفع له أو دفع الضر عنه، أو نحو ذلك.
3 - إعطاء شيء من خصائص الربوبية لغير الله سبحانه، فمن اعتقد وجود متصرف مع الله عز وجل في أي شيء من تدبير الكون من إيجاد أو إعدام أو إحياء أو إماتة أو جلب خير أو دفع شر أو غير ذلك من معاني الربوبية فهو مشرك بالله العظيم.
كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة
 [الفصل الثاني توحيد الألوهية]
الفصل الثاني: توحيد الألوهية الألوهية مشتقة من اسم الإله، أي المعبود المطاع، فالإله اسم من أسماء الله الحسنى، والألوهية صفة من صفات الله العظيمة، فهو سبحانه المألوه المعبود الذي يجب أن تألهه القلوب وتخضع له وتذل وتنقاد؛ لأنه سبحانه الرب العظيم، الخالق لهذا الكون، المدبر لشؤونه، الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، ولهذا فإن الذل والخضوع لا ينبغي إلا له، فحيث كان متفردا بالخلق والإنشاء والإعادة لا يشركه في ذلك أحد وجب أن ينفرد وحده بالعبادة دون سواه لا يشرك معه في عبادته أحد.
فتوحيد الألوهية هو إفراد الله وحده بالعبادة، وذلك بأن يعلم العبدُ علمَ اليقِين أن الله وحده هو المألوه المعبود على الحقيقة، وأن صفات الألوهية ومعانيها ليست موجودة في أحد من المخلوقات ولا يستحقها إلا الله تعالى، فإذا علم العبد ذلك واعترف به حقا أفرد الله بالعبادة كلها الظاهرة والباطنة، فيقوم بشرائع الإسلام الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام، ويقوم بأصوله الباطنة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، لا يقصد بشيء من ذلك غرضا من الأغراض غير رضا ربه وطلب ثوابه.
وفي هذا الفصل سيتم تناول جملةٍ من المباحث المهمة المتعلقة بهذا النوع من التوحيد.
(1/21)

[المبحث الأول أدلته وبيان أهميته]
[المطلب الأول أدلّتُه]
المبحث الأول أدلته، وبيان أهميته المطلب الأول: أدلّتُه. لقد تضافرت النصوص وتظاهرت الأدلة على وجوب إفراد الله بالألوهية، وتنوعت في دلالتها على ذلك:
1 - تارة بالأمر به، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] (البقرة: 21) ، وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] (النساء: 36) ، وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] (الإسراء: 23) ، ونحوها من الآيات.
2 - وتارة ببيان أنه الأساس لوجود الخليقة والمقصود من إيجاد الثقلين، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] (الذاريات: 56) .
3 - وتارة ببيان أنه المقصود من بعثة الرسل كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] (النحل: 36) ، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] (الأنبياء: 25) .
4 - وتارة ببيان أنه المقصود من إنزال الكتب الإلهية، كما في قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2] (النحل: 2) .
5 - وتارة ببيان عظيم ثواب أهله وما أعد لهم من أجور عظيمة ونعم كريمة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] (الأنعام: 82) .
(1/23)

6 - وتارة بالتحذير من ضده، وبيان خطورة مناقضته، وذكر ما أعد سبحانه من عقاب أليم لمن تركه، كقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] (المائدة: 72) ، وقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39] (الإسراء: 39) .
إلى غير ذلك من أنواع الأدلة المشتملة على تقرير التوحيد والدعوة إليه والتنويه بفضله وبيان ثواب أهله وعظم خطورة مخالفته.
والسنة النبوية كذلك مليئة بالأدلة على هذا التوحيد وأهميته، من ذلك:
1 - ما رواه البخاري في صحيحه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم» (1) .
2 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا نحو اليمن قال له: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات» . . . . الحديث، رواه البخاري (2) .
3 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من
_________
(1) صحيح البخاري (7373) .
(2) صحيح البخاري (7372) .
(1/24)

مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار» ، رواه البخاري (1) .
4 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» ، رواه مسلم (2) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

[المطلب الثاني بيان أهميته وأنه أساس دعوة الرسل]
المطلب الثاني: بيان أهميته وأنه أساس دعوة الرسل. لا ريب أن توحيد الألوهية هو أعظم الأصول على الإطلاق وأكملها وأفضلها وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وخلق المخلوقات وشرع الشرائع لقيامه، وبوجوده يكون الصلاح، وبفقده يكون الشر والفساد، ولذا كان هذا التوحيد زبدة دعوة الرسل وغاية رسالتهم وأساس دعوتهم، يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] (النحل: 36) ، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] (الأنبياء: 25) .
وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة أن توحيد الألوهية هو مفتاح دعوة الرسل، وأن كل رسول يبعثه الله يكون أول ما يدعو قومه إليه توحيد الله وإخلاص العبادة له، قال الله تعالى:
_________
(1) صحيح البخاري (4497) .
(2) صحيح مسلم (93) .
(1/25)

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 65] (الأعراف: 65) ، وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73] (الأعراف: 73) ، وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85] (الأعراف: 85) .

[المطلب الثالث بيان أنه محور الخصومة بين الرسل وأممهم]
المطلب الثالث: بيان أنه محور الخصومة بين الرسل وأممهم. تقدم أن توحيد العبادة هو مفتتح دعوات الرسل جميعهم، فما من رسول بعثه الله إلا وكان أول ما يدعو قومه إليه هو توحيد الله، ولذا كانت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم في ذلك، فالأنبياء يدعونهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، والأقوام يصرون على البقاء على الشرك وعبادة الأوثان إلا من هداه الله منهم.
قال الله تعالى عن قوم نوح عليه السلام: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [نوح: 23 - 24] (نوح: 23-24) ، وقال عن قوم هود عليه السلام: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأحقاف: 22] (الأحقاف: 22) ، {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53] (هود: 53) .
وقال عن قوم صالح عليه السلام: {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62] (هود: 62) .
(1/26)

وقال عن قوم شعيب عليه السلام: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] (هود: 87) .
وقال عن كفار قريش: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ - أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ - وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ - مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص: 4 - 7] (ص: 4-7) .
وقال: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا - إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا - أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا - أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 41 - 44] (الفرقان: 41- 44) .
فهذه النصوص وما جاء في معناها تدل أوضح دلالة أن المعترك والخصومة بين الأنبياء وأقوامهم إنما كان حول توحيد العبادة والدعوة إلى إخلاص الدين لله.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (1) .
_________
(1) صحيح البخاري برقم (52) ، وصحيح مسلم برقم (22) .
(1/27)

وثبت في الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله» (1) .
_________
(1) صحيح مسلم برقم (23) .
(1/28)

[المبحث الثاني وجوب إفراد الله بالعبادة وتحته مطالب]
[المطلب الأول معنى العبادة والأصول التي تُبنى عليها]
المبحث الثاني
وجوب إفراد الله بالعبادة، وتحته مطالب المطلب الأول: معنى العبادة والأصول التي تُبنى عليها. العبادة في اللغة: الذل والخضوع، يقال: بعير معبد، أي: مذلل، وطريق معبد: إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام.
وشرعا: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وسيأتي ما يوضح ذلك عند ذكر بعض أنواع العبادة.
وهي تبنى على ثلاثة أركان:
الأول: كمال الحب للمعبود سبحانه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] (البقرة: 165) .
الثاني: كمال الرجاء، كما قال تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} [الإسراء: 57] (الإسراء: 57) .
الثالث: كمال الخوف من الله سبحانه، كما قال تعالى: {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] (الإسراء: 57) .
وقد جمع الله سبحانه بين هذه الأركان الثلاثة العظيمة في فاتحة الكتاب في قوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2 - 4] فالآية الأولى فيها المحبة؛ فإن الله منعم، والمنعم يُحبُّ على قدر إنعامه، والآية الثانية فيها الرجاء، فالمتصف بالرحمة ترجى رحمته، والآية الثالثة فيها الخوف، فمالك الجزاء والحساب يخاف عذابه.
ولهذا قال تعالى عقب ذلك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] أي: أعبدك يا رب هذه
(1/29)

الثلاث: بمحبتك التي دل عليها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ورجائك الذي دل عليه: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] وخوفك الذي دل عليه: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]
والعبادة لا تقبل إلا بشرطين: 1 - الإخلاص فيها للمعبود؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الخالص لوجهه سبحانه، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] (البينة: 5) ، وقَال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3] (الزمر: 3) ، وقال تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14] (الزمر: 14) .
2 - المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الموافق لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] (الحشر: 7) ، وقَال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] (النساء: 65) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (1) (أي مردود عليه) .
فلا عبرة بالعمل ما لم يكن خالصا لله صوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] (هود: 7، الملك: 2) : " أخلصه وأصوبه "، قيل: يا أبا علي، وما أخلصه وأصوبه؟ قال: " إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا
_________
(1) صحيح البخاري برقم (2697) .
(1/30)

كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة " (1) .
ومن الآيات الجامعة لهذين الشرطين قوله تعالى في آخر سورة الكهف: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] (الكهف: 110) .

[المطلب الثاني ذكر بعض أنواع العبادة]
المطلب الثاني: ذكر بعض أنواع العبادة. العبادة أنواعها كثيرة، فكل عمل صالح يحبه الله ويرضاه قولي أو فعلي ظاهر أو باطن فهو نوع من أنواعها وفرد من أفرادها، وفيما يلي ذكر بعض الأمثلة على ذلك:
1 - فمن أنواع العبادة: الدعاء، بنوعيه دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
قال الله تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 14] (غافر: 14) ، وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] (الجن: 18) ، وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5 - 6] (الأحقاف: 5- 6) .
فمن دعا غير الله عز وجل بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا، ومن دعا حيا. بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، أو يا فلان اسقني، ونحو ذلك فلا شيء عليه، ومن دعا ميتا أو غائبا. بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت والغائب لا يمكن أن يقوم. بمثل هذا.
_________
(1) حلية الأولياء: (8 / 95) .
(1/31)

والدعاء نوعان: دعاء المسألة ودعاء العبادة.
فدعاء المسألة، هو سؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ودعاء العبادة يدخل فيه كل القربات الظاهرة والباطنة؛ لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها.
وكل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.
2 -، 3، 4 - ومن أنواع العبادة: المحبة والخوف والرجاء، وقد تقدم الكلام عليها وبيان أنها أركان للعبادة.
5 - ومن أنواعها: التوكل، وهو الاعتماد على الشيء.
والتوكل على الله: هو صدق تفويض الأمر إلى الله تعالى اعتمادا عليه وثقة به مع مباشرة ما شرع وأباح من الأسباب لتحصيل المنافع ودفع المضار، قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] (المائدة: 23) ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] (الطلاق: 3) .
6 -، 7، 8- ومن أنواع العبادة: الرغبة والرهبة والخشوع.
فأما الرغبة: فمحبة الوصول إلى الشيء المحبوب، والرهبة: الخوف المثمر للهرب من المخوف، والخشوع: الذل والخضوع لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي، قال الله تعالى في ذكر هذه الأنواع الثلاثة من العبادة: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] (الأنبياء: 90) .
9 - ومن أنواعها: الخشية، وهي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه، قال الله تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة: 150]
(1/32)

(البقرة: 150) .
{فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 3] (المائدة: 3) .
10 - ومنها الإنابة، وهي الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته واجتناب معصيته، قال الله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 54] (الزمر: 54) .
11 - ومنها: الاستعانة، وهي طلب العون من الله في تحقيق أمور الدين والدنيا، قال الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس: «إذا استعنت فاستعن بالله» (1) .
12 - ومنها: الاستعاذة، وهي طلب الإعاذة والحماية من المكروه، قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 1 - 2] وقال تعالى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 1 - 4]
13 - ومنها الاستغاثة، وهو طلب الغوث، وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك، قال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9] (الأنفال: 9) .
14 - ومنها الذبح، وهو إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه الخصوص تقربا إلى الله، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] (الأنعام: 162) ، وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] (الكوثر: 2) .
15 - ومنها النذر، وهو إلزام المرء نفسه بشيء ما، أو طاعة لله غير واجبة، قال الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7] (الإنسان: 7) .
_________
(1) سنن الترمذي (2516) ، ومسند أحمد (1 / 307) ، وقد حسن الحديث الترمذي وصححه الحاكم.
(1/33)

فهذه بعض الأمثلة على أنواع العبادة، وجميع ذلك حق لله وحده لا يجوز صرف شيء منه لغير الله.
والعبادة بحسب ما تقوم به من الأعضاء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عبادات القلب، كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والخشية والرهبة والتوكل ونحو ذلك.
القسم الثاني: عبادات اللسان، كالحمد والتهليل والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن والدعاء ونحو ذلك.
القسم الثالث: عبادات الجوارح، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة والجهاد، ونحو ذلك.
(1/34)

[المبحث الثالث حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد]
[المطلب الأول الرقى]
المبحث الثالث
حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على أمته؛ لتكون عزيزة منيعة محققة لتوحيد الله عز وجل، مجانبة لكل الوسائل والأسباب المفضية لما يضاده ويناقضه، قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] (التوبة: 128) .
وقد أكثر صلى الله عليه وسلم في النهي عن الشرك وحذر وأنذر وأبدأ وأعاد وخص وعم في حماية الحنيفية السمحة ملة إبراهيم التي بعث بها من كل ما قد يشوبها من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص، وهذا كثير في السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، فأقام الحجة، وأزال الشبهة، وقطع المعذرة، وأبان السبيل.
وفي المطالب التالية عرض يتبين من خلاله حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده كل طريق يفضي إلى الشرك والباطل.
المطلب الأول: الرقى. أ- تعريفها: الرقى جمع رقية، وهي القراءة والنفث طلبا للشفاء والعافية، سواء كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية النبوية المأثورة.
ب- حكمها: الجواز، ومن الأدلة على ذلك ما يلي:
فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن
(1/35)

فيه شرك» ، رواه مسلم (1) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين (2) والحمة (3) والنملة» (4) "، رواه مسلم (5) .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» ، رواه مسلم (6) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: (أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما) » ، رواه البخاري ومسلم (7) .
ج- شروطها: ولجوازها وصحتها شروط ثلاثة:
الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع لذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو محرم، بل هو شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله.
الثاني: أن لا تكون بما يخالف الشرع كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله أو استغاثة بالجن وما أشبه ذلك، فإنها محرمة، بل شرك.
الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم
_________
(1) صحيح مسلم برقم (2200) .
(2) "العين" إصابة العائن غيره بعينه بقدر الله.
(3) "الحمة" بحاء مهملة مضمومة ثم ميم مخففة: وهي السم، ومعناه: أذن في الرقية من كل ذات سم، مثل لدغة الثعبان، أو العقرب أو نحوهما.
(4) "النملة" بفتح النون وإسكان الميم: قروح تخرج من الجنب.
(5) صحيح مسلم برقم (2196) .
(6) صحيح مسلم برقم (2199) .
(7) صحيح البخاري برقم (5743) ، وصحيح مسلم برقم (2191) .
(1/36)

والشعوذة فإنها لا تجوز.
وقد سئل الإمام مالك رحمه الله: أيرقي الرجل ويسترقي؟ فقال: " لا بأس بذلك، بالكلام الطيب ".
د- الرقية الممنوعة: كل رقية لم تتوفر فيها الشروط المتقدمة فإنها محرمة ممنوعة، كأن يعتقد الراقي أو المرقي أنها تنفع وتؤثر بذاتها، أو تكون مشتملة على ألفاظ شركية وتوسلات كفرية وألفاظ بدعية، ونحو ذلك، أو تكون بألفاظ غير مفهومة كالطلاسم ونحوها.

[المطلب الثاني التمائم]
المطلب الثاني: التمائم. أ- تعريفها: التمائم جمع تميمة، وهي ما يعلق على العنق وغيره من تعويذات أو خرزات أو عظام أو نحوها لجلب نفع أو دفع ضر، وكان العرب في الجاهلية يعلقونها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم الباطل.
ب- حكمها: التحريم،
بل هي نوع من أنواع الشرك؛ لما فيها من التعلق بغير الله؛ إذ لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» ، رواه أبو داود والحاكم (1) .
وعن عبد الله بن عكيم رضي الله عنه مرفوعا: «من تعلق شيئا وكل إليه» ، رواه
_________
(1) سنن أبي داود برقم (3883) ، ومستدرك (4 / 241) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(1/37)

أحمد والترمذي والحاكم (1) .
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» ، رواه أحمد والحاكم (2) .
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من علق تميمة فقد أشرك» ، رواه أحمد (3) . فهذه النصوص وما في معناها في التحذير من الرقى الشركية التي كانت هي غالب رقى العرب فنهي عنها لما فيها من الشرك والتعلق بغير الله تعالى.
ج- وإذا كان المعلق من القرآن الكريم، فهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فذهب بعضهم إلى جواز ذلك، ومنهم من منع ذلك، وقال لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء، وهو الصواب لوجوه أربعة:
1 - عموم النهي عن تعليق التمائم، ولا مخصص للعموم.
2 - سدا للذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن.
3 - أنه إذا علق فلا بد أن يمتهن المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء، ونحو ذلك.
4 - أن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به على المريض فلا تتجاوز.
_________
(1) مسند أحمد (4 / 310) ، وسنن الترمذي برقم (2072) ، ومستدرك الحاكم (4 / 241) وصححه الحاكم.
(2) مسند أحمد (4 / 154) ، ومستدرك الحاكم (4 / 240) ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) مسند أحمد (4 / 156) ، وصححه الحاكم (4 / 244) وقال عبد الرحمن بن حسن ورواته ثقات.
(1/38)

[المطلب الثالث لبس الحلقة والخيط ونحوها]
المطلب الثالث: لبس الحلقة والخيط ونحوها. أ- الحلقة قطعة مستديرة من حديد أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك، والخيط معروف، وقد يجعل من الصوف أو الكتان أو نحوه، وكانت العرب في الجاهلية تعلق هذا ومثله لدفع الضر أو جلب النفع أو اتقاء العين، والله تعالى يقول: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] (الزمر: 38) ، ويقول تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56] (الإسراء: 56) .
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» ، رواه أحمد (1) .
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] (يوسف: 106) (2) .
ب- حكم لبس الحلقة والخيط ونحو ذلك، محرم فإن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد وجود خالق مدبر مع الله تعالى الله عما يشركون.
_________
(1) المسند (4 / 445) ، وقال البوصيري إسناده حسن وقال الهيثمي رجاله ثقات.
(2) تفسير ابن أبي حاتم (7 / 2207) .
(1/39)

وإن اعتقد أن الأمر لله وحده وأنها مجرد سبب، ولكنه ليس مؤثرا فهو مشرك شركا أصغر لأنه جعل ما ليس سببا سببا والتفت إلى غير ذلك بقلبه، وفعله هذا ذريعة للانتقال للشرك الأكبر إذا تعلق قلبه بها ورجا منها جلب النعماء أو دفع البلاء.

[المطلب الرابع التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها]
المطلب الرابع: التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها. التبرك هو طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
1 - أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] (الأنعام: 92، 155) ، فمن بركته هدايته للقلوب وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس وتهذيبه للأخلاق، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
2 - أن يكون التبرك بأمر غير مشروع، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك، فهذا كله من الشرك.
فعن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة (1) يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] (الأعراف: 138) ،
_________
(1) السدرة: شجرة ذات شوك.
(1/40)

لتركبن سنن من كان قبلكم» ، رواه الترمذي وصححه (1) .
فقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار ونحوها من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك، ولهذا أخبر في الحديث أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذ إله غير الله شرك واضح.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «لتركبن سنن من كان قبلكم» إشارة إلى أن شيئا من ذلك سيقع في أمته صلى الله عليه وسلم، وقد قال ذلك عليه الصلاة والسلام ناهيا ومحذرا.

[المطلب الخامس النهي عن أعمال تتعلق بالقبور]
المطلب الخامس: النهي عن أعمال تتعلق بالقبور. لقد كان الأمر في صدر الإسلام على منع زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية حماية لحمى التوحيد وصيانة لجنابه، ولما حسن الإيمان وعظم شأنه في الناس ورسخ في القلوب واتضحت براهين التوحيد وانكشفت شبهة الشرك جاءت مشروعية زيارة القبور محددة أهدافها موضحة مقاصدها.
فعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» ، رواه مسلم (2) .
_________
(1) سنن الترمذي برقم (2180) .
(2) صحيح مسلم برقم (977) .
(1/41)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (1) .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة» (2) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا» (3) .
وعن بريدة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» ، رواه مسلم (4) .
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أن مشروعية زيارة القبور بعد المنع من ذلك إنما كانت لهدفين عظيمين وغايتين جليلتين:
الأولى: التزهيد في الدنيا بتذكر الآخرة والموت والبلى، والاعتبار بأهل القبور مما يزيد في إيمان الشخص ويقوي يقينه ويعظم صلته بالله، ويذهب عنه الإعراض والغفلة.
الثانية: الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم وطلب المغفرة لهم وسؤال الله العفو عنهم.
_________
(1) صحيح مسلم برقم (975) .
(2) مسند أحمد (3 / 38) ، ومستدرك الحاكم (1 / 531) .
(3) مستدرك الحاكم (1 / 532) .
(4) صحيح مسلم برقم (975) .
(1/42)

هذا الذي دل عليه الدليل، ومن ادعى غير ذلك طولب بالحجة والبرهان.
ثم إن السنة قد جاءت بالنهي عن أمور عديدة متعلقة بالقبور وزيارتها، صيانة للتوحيد وحماية لجنابه، يجب على كل مسلم تعلمها ليكون في أمنة من الباطل وسلامة من الضلال، ومن ذلك:
1 - النهي عن قول الهجر عند زيارة القبور. وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تقولوا هجرا» ، والمراد بالهجر كل أمر محظور شرعا، ويأتي في مقدمة ذلك الشرك بالله بدعاء المقبورين وسؤالهم من دون الله والاستغاثة بهم وطلب المدد والعافية منهم، فكل ذلك من الشرك البواح والكفر الصراح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة صريحة في المنع من ذلك والنهي عنه ولعن فاعله، ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنِّي أنهاكم عن ذلك» (1) . فدعاء الأموات وسؤالهم الحاجات وصرف شيء من العبادة لهم شرك أكبر، أما العكوف عند القبور وتحري إجابة الدعاء عندها ومثله الصلاة في المساجد التي فيها القبور فهو من البدع المنكرة.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي
_________
(1) صحيح مسلم برقم (532) .
(1/43)

لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1) .
2 - الذبح والنحر عند القبور. فإن كان ذلك تقربا إلى المقبورين ليقضوا حاجة للشخص فهو شرك أكبر وإن كان لغير ذلك فهو من البدع الخطيرة التي هي من أعظم وسائل الشرك لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا عقر في الإسلام» ، قال عبد الرزاق: «كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة» (2) .
3 -، 4، 5، 6، 7- رفعها زيادة على التراب الخارج منها، وتجصيصها، والكتابة عليها، والبناء عليها، والقعود عليها. فكل ذلك من البدع التي ضلت بها اليهود والنصارى وكانت من أعظم ذرائع الشرك، فعن جابر رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، وأن يزاد عليه، أو يكتب عليه» . رواه مسلم، وأبو داود، والحاكم (3) .
8 - الصلاة إلى القبور وعندها. فعن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)) ، رواه مسلم (4) .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرض كلها
_________
(1) صحيح البخاري برقم (1330) ، وصحيح مسلم برقم (531) .
(2) سنن أبي داود لرقم (3222) .
(3) صحيح مسلم برقم (970) ، وسنن أبي داود برقم (3225) ، ورقم (3226) ، ومستدرك الحاكم (1 / 525) .
(4) صحيح مسلم برقم (972) .
(1/44)

مسجد، إلا المقبرة والحمام» . رواه أبو داود والترمذي (1) .
9 - بناء المساجد عليها. وهو بدعة من ضلالات اليهود والنصارى وتقدم حديث عائشة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
10 - اتخاذها عيدا. وهو من البدع التي جاء النهي الصريح عنها لعظم ضررها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا (2) ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني» ، رواه أبو داود وأحمد (3) .
11 - شد الرحال إليها. وهو أمر منهي عنه لأنه من وسائل الشرك فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى» . رواه البخاري ومسلم (4) .
_________
(1) سنن أبي داود برقم (492) ، وسنن الترمذي برقم (317) ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(2) العيد هو الذي يعود ويتكرر مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، فكون الإنسان يكرر الزيارة لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم كل يوم من أجل السلام فكأنه يتخذه عيدا، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أمر المسلم أن يصلي ويسلم عليه وهو في أي مكان كان لأن لله ملائكة سياحين يبلغون الرسول السلام وهذا من يسر هذا الدين إذ ليس باستطاعة كل مسلم أن يأتي إلى المدينة.
(3) سنن أبي داود برقم (2042) ، ومسند أحمد (2 / 367) .
(4) صحيح البخاري برقم (1189) ، وصحيح مسلم (1397) .
(1/45)

[المطلب السادس التوسل]
المطلب السادس: التوسل. أ- تعريفه: التوسل مأخوذ في اللغة من الوسيلة، والوسيلة والوصيلة معناهما متقارب، فالتوسل هو التوصل إلى المراد والسعي في تحقيقه.
وفي الشرع يراد به التوصل إلى رضوان الله والجنة؛ بفعل ما شرعه وترك ما نهي عنه.
ب- معنى الوسيلة في القرآن الكريم: وردت لفظة " الوسيلة " في القرآن الكريم في موطنين:
1 - قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35] (المائدة: 35) .
2 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] (الإسراء: 57) .
والمراد بالوسيلة في الآيتين، أي: القربة إلى الله بالعمل بما يرضيه، فقد نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية الأولى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن البصري وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد (1) .
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: " نزلت في نفر من العرب
_________
(1) تفسير ابن كثير (2 / 50) .
(1/46)

كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين يعبدونهم لا يشعرون " (1) .
وهذا صريح في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة والعبادات الجليلة، ولذلك قال: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57] أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله وينالون به مرضاته من الأعمال الصالحة المقربة إليه.
ج- أقسام التوسل: ينقسم التوسل إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
1 - التوسل المشروع: هو التوسل إلى الله بالوسيلة الصحيحة المشروعة، والطريق الصحيح لمعرفة ذلك هو الرجوع إلى الكتاب والسنة ومعرفة ما ورد فيهما عنها، فما دل الكتاب والسنة على أنه وسيلة مشروعة فهو من التوسل المشروع، وما سوى ذلك فإنه توسل ممنوع.
والتوسل المشروع يندرج تحته ثلاثة أنواع: الأول: التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العظيمة، كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم أن تعافيني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي وترحمني، ونحو ذلك.
ودليل مشروعية هذا التوسل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] (الأعراف: 180) .
_________
(1) صحيح مسلم برقم (3030) . وصحيح البخاري رقم (4714) .
(1/47)

الثاني: التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به العبد، كأن يقول: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي، أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم وإيماني به أن تفرج عني، أو أن يذكر الداعي عملا صالحا ذا بال قام به فيتوسل به إلى ربه، كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة التي سيرد ذكرها.
ويدل على مشروعيته قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16] (آل عمران: 16) ، وقوله تعالى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53] (آل عمران: 53) .
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار الثلاثة كما يرويها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من الفرق، فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت (1) عنهم الصخرة، فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي
_________
(1) فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه، كما في حديث سالم.
(1/48)

وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا» . رواه البخاري (1) .
الثالث: التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابة دعائه، كأن يذهب المسلم إلى رجل يرى فيه الصلاح والتقوى والمحافظة على طاعة الله، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج كربته وييسر أمره.
ويدل على مشروعية هذا النوع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بدعاء عام ودعاء خاص.
ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول صلى الله عليه وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة (2)
_________
(1) صحيح البخاري برقم (3465) .
(2) سحاب متفرق.
(1/49)

ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة- ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب- فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب ومنابت الشجر، قال: فانقطعت، وخرجنا نمشي في الشمس» . قال شريك: فسألت أنسا: أهو الرجل الأول؟ قَال: لا أدري (1) .
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما «ذكر أن في أمته سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وقال: (هم الذي لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) قام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (أنت منهم) » (2) . ومن ذلك حديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أويسا القرني وفيه قال: «فاسألوه أن يستغفر لكم» .
وهذا النوع من التوسل إنما يكون في حياة من يطلب منه الدعاء، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له.
2 - التوسل الممنوع: هو التوسل إلى الله تعالى بما لم يثبت في الشريعة أنه وسيلة، وهو أنواع بعضها أشد خطورة من بعض، منها:
1 - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الموتى والغائبين والاستغاثة بهم
_________
(1) صحيح البخاري برقم (1013) ، وصحيح مسلم رقم (897) .
(2) صحيح البخاري برقم (5705) ، وصحيح مسلم برقم (218) .
(1/50)

وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ونحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر الناقل من الملة.
2 - التوسل إلى الله بفعل العبادات عند القبور والأضرحة بدعاء الله عندها، والبناء عليها، ووضع القناديل والستور ونحو ذلك، وهذا من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد، وهو ذريعة مفضية إلى الشرك الأكبر.
3 - التوسل إلى الله بجاه الأنبياء والصالحين ومكانتهم ومنزلتهم عند الله، وهذا محرم، بل هو من البدع المحدثة؛ لأنه توسل لم يشرعه الله ولم يأذن به. قال تعالى: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [يونس: 59] (يونس: 59) ولأن جاه الصالحين ومكانتهم عند الله إنما تنفعهم هم، كما قال الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] (النجم: 39) ، ولذا لم يكن هذا التوسل معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد نص على المنع منه وتحريمه غير واحد من أهل العلم:
قال أبو حنيفة رحمه الله: ((يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أوليائك ورسلك أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام)) .
د- شبهات وردها في باب التوسل. قد يورد المخالفون لأهل السنة والجماعة بعض الشبهات والاعتراضات في باب التوسل؛ ليتوصلوا بها إلى دعم تقريراتهم الخاطئة، وليوهموا عوام المسلمين بصحة ما ذهبوا إليه، ولا تخرج شبهات هؤلاء عن أحد أمرين:
الأول: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة يستدل بها هؤلاء على ما ذهبوا إليه، وهذه يفرغ من أمرها بمعرفة عدم صحتها وثبوتها، ومن ذلك:
1 - حديث: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» ، أو «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» ، وهو حديث باطل لم
(1/51)

يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث.
2 - حديث: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور» ، أو «فاستغيثوا بأهل القبور» ، وهو حديث مكذوب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق العلماء.
3 - حديث: «لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه» ، وهو حديث باطل مناقض لدين الإسلام، وضعه بعض المشركين.
4 - حديث: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك» (1) وهو حديث باطل لا أصل له، ومثله حديث: «لولاك ما خلقت الأفلاك» .
فمثل هذه الأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة الملفقة لا يجوز لمسلم أن يلتفت إليها فضلا عن أن يحتج بها ويعتمدها في دينه.
الثاني: أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم يسيء هؤلاء فهمها ويحرفونا عن مرادها ومدلولها، ومن ذلك:
1 - ما ثبت في الصحيح: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون» (2) .
_________
(1) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ج 1 / 88 ح 25.
(2) صحيح البخاري برقم (1010) .
(1/52)

ففهموا من هذا الحديث أن توسل عمر رضي الله عنه إنما كان بجاه العباس رضي الله عنه ومكانته عند الله عز وجل، وأن المراد بقوله: «كنا نتوسل إليك بنبينا [أي بجاهه] فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا» [أي بجاهه] .
وهذا ولا ريبِ فهم خاطئ وتأويل بعيد لا يدل عليه سياق النص لا من قريب ولا من بعيد؛ إذ لم يكن معروفا لدى الصحابة التوسل إلى الله بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه، وإنما كانوا يتوسلون إلى الله بدعائه حال حياته كما تقدم بعض هذا المعنى، وعمر رضي الله عنه لم يرد بقوله: «إنا نتوسل إليك بعم نبينا» أي ذاته أو جاهه، وإنما أراد دعاءه، ولو كان التوسل بالذات أو الجاه معروفا عندهم لما عدل عمر عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه، بل ولقال له الصحابة إذ ذاك كيف نتوسل بمثل العباس ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق، فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل لا بذاته.
وبهذا يتبين أن الحديث ليس فيه متمسك لمن يقول بجواز التوسل بالذات أو الجاه.
2 - حديث عثمان بن حنيف: «أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت
(1/53)

بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في» ، رواه الترمذي وأحمد وقال البيهقي إسناده صحيح (1) .
ففهموا من الحديث أنه يدل على جواز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الصالحين، وليس في الحديث ما يشهد لذلك، فإن الأعمى قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: «إن شئت صبرت وإن شئت دعوت» ، فقال: فادعه، إلى غير ذلك من الألفاظ الواردة في الحديث المصرحة بأن هذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا بذاته أو جاهه؛ ولذا ذكر أهل العلم هذا الحديث من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره ولهذا أورده البيهقي في دلائل النبوة (2) .
وأما الآن وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون لتعذر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأحد بعد الموت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ، رواه مسلم (3) .
والدعاء من الأعمال الصالحة التي تنقطع بالموت.
وعلى كل فإن جميع ما يتعلق به هؤلاء لا حجة فيه؛ إما لعدم صحته، أو لعدم دلالته على ما ذهبوا إليه.
_________
(1) سنن الترمذي برقم (3578) ، ومسند أحمد (4 / 138) .
(2) دلائل النبوة للبيهقي (6 / 167) .
(3) صحيح مسلم برقم (1631) .
(1/54)

[المطلب السابع الغلو]
المطلب السابع: الغلو. أ- تعريفه: الغلو في اللغة هو مجاوزة الحد، بأن يزيد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق.
وفي الشرع: هو مجاوزة حدود ما شرع الله لعباده سواء في العقيدة أو العبادة.
ب- حكمه: التحريم؛ لما جاء من النصوص في النهي عنه والتحذير منه وبيان سوء عواقبه على أهله في العاجل والآجل. قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171] (النساء: 171) .
وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] (المائدة: 77) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» ، رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (1) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» ، قالها ثلاثا، رواه مسلم (2) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما
_________
(1) المسند (1 / 347) ، والمستدرك (1 / 638) .
(2) صحيح مسلم برقم (2670) .
(1/55)

أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله» ، رواه البخاري (1) .
والمراد هذا الحديث، أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى فادعوا فيه الربوبية والألوهية، وإنما أنا عبد الله فصفوني بما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله، فأبى الضلال إلا مخالفة لأمره وارتكابا لنهيه وناقضوه أعظم المناقضة فغلوا فيه وبالغوا في إطرائه وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبا منه، فسألوه مغفرة الذنوب وتفريج الكروب وشفاء الأمراض ونحو ذلك مما هو مختص بالله وحده لا شريك له، وكل ذلك من الغلو في الدين.
_________
(1) صحيح البخاري برقم (3445) .
(1/56)

[المبحث الرابع الشرك والكفر وأنواعهما وفيه مطالب]
[المطلب الأول الشرك]
المبحث الرابع
الشرك والكفر وأنواعهما
وفيه مطالب ما من ريب أن في معرفة المسلم للشرك والكفر وأسبابهما ووسائلهما وأنواعهما فوائد عظيمة، إذا عرفها معرفة يقصد من ورائها السلامة من هذه الشرور والنجاة من تلك الآفات، والله سبحانه يحب أن تعرف سبيل الحق لتحب وتسلك، ويحب أن تعرف سبل الباطل لتجتنب وتبغض، والمسلم كما أنه مطالب بمعرفة سبيل الخير ليطبقها، فهو كذلك مطالب بمعرفة سبل الشر ليحذرها، ولهذا ثبت في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني» (1) .
ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ".
والقرآن الكريم مليء بالآيات المبينة للشرك والكفر والمحذرة من الوقوع فيهما، والدالة على سوء عاقبتهما في الدنيا والآخرة، بل إن ذلك مقصد عظيم من مقاصد القرآن الكريم والسنة المطهرة، كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] (الأنعام: 55) .
وفيما يِلي ذكر لبعض المطالب المهمة المتعلقة بهذا الجانب.
_________
(1) صحيح البخاري برقم (7084) ، وصحيح مسلم برقم (1847) .
(1/57)

المطلب الأول: الشرك. أ- تعريفه: يطلق الشرك في اللغة على التسوية بين الشيئين.
وله في الشرع معنيان: عام وخاص.
1 - المعنى العام: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه، ويندرج تحته ثلاثة أنواع:
الأول: الشرك في الربوبية، وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية، أو نسبة شيء منها إلى غيره، كالخلق والرزق والإيجاد والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك.
قال تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] (فاطر: 3) .
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات، وهو تسوية غير الله بالله في شيء منها، والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] (الشورى: 11) .
الثالث: الشرك في الألوهية، وهو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الألوهية، كالصلاة والصيام والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحو ذلك.
قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] (البقرة: 165) .
2 - المعنى الخاص: وهو أن يتخذ لله ندا يدعوه كما يدعو الله ويسأله الشفاعة كما يسأل الله ويرجوه كما يرجو الله، ويحبه كما يحب الله، وهذا هو المعنى المتبادر من كلمة " الشرك " إذا أطلقت في القرآن أو السنة.
(1/58)

ب- الأدلة على ذم الشرك وبيان خطره. لقد تنوعت دلالة النصوص على ذم الشرك والتحذير منه وبيان خطره وسوء عاقبته على المشركين في الدنيا والآخرة.
1 - فقد أخبر الله سبحانه أنه الذنب الذي لا يغفره إلا بالتوبة منه قبل الموت، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] (النساء: 48) .
2 - ووصفه بأنه أظلم الظلم، فقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] (لقمان: 13) .
3 - وأخبر أنه محبط للأعمال، فقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] (الزمر: 65) .
4 - ووصفه بأن فيه تنقصا لرب العالمين ومساواة لغيره به، فقال تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ - تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 - 98] (الشعراء: 96- 98) .
5 - وأخبر أن من مات عليه يكون مخلدا في نار جهنم، فقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] (المائدة: 72) .
إلى غير ذلك من أنواع الأدلة، وهي كثيرة جدا في القرآن الكريم.
ج- سبب وقوع الشرك: إن أصل الشرك وسبب وقوعه في بني آدم هو الغلو في الصالحين
(1/59)

المعظمين، وتجاوز الحد في إطرائهم ومدحهم والثناء عليهم، قال الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [نوح: 23 - 24] (نوح: 23- 24) .
فهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح لما ماتوا جعلوا لهم أصناما على صورهم وسموها بأسمائهم قاصدين بذلك تعظيمهم وتخليد ذكرهم وتذكر فضلهم إلى أن آل بهم الأمر إلى عبادتهم.
ويشهد لهذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ (ونسخ العلم) (1) العلم عبدت " (2) .
روى ابن جرير الطبري عن محمد بن قيس عند قوله تعالى: وقالوا لا تذرن آلهتك الآية، قال: " كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون هم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا
_________
(1) أي علم تلك الصور بخصوصها.
(2) صحيح البخاري برقم (4920) .
(1/60)

وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم " (1) . فجمعوا بين فتنتين:
الأولى: العكوف عند قبورهم.
الثانية: تصوير صورهم ونصبها في مجالسهم والجلوس إليها.
فبهذا وقع الشرك لأول مرة في تاريخ البشرية فهما أعظم وسائل الشرك في كل زمان ومكان.
د- أنواع الشرك: ينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر.
1 - الشرك الأكبر: هو اتخاذ ند مع الله يعبد كما يعبد الله، وهو ناقل من ملة الإسلام محبط للأعمال كلها، وصاحبه إن مات عليه يكون مخلدا في نار جهنم لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من عذابها.
أنواع الشرك الأكبر: وينقسم الشرك الأكبر إلى أربعة أنواع:
1 - شرك الدعوة، أي الدعاء، وذلك أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة، بل هو لب العبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» ، رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح (2) قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] (غافر: 60) .
ولما ثبت أن الدعاء عبادة، فصرفه لغير الله شرك، فمن دعا نبيا أو ملكا أو وليا أو قبرا أو حجرا أو غير ذلك من المخلوقين فهو مشرك كافر، كما
_________
(1) تفسير الطبري (12 / 254) .
(2) مسند أحمد (4 / 267) ، وسنن الترمذي برقم (2969) .
(1/61)

قال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] (المؤمنون: 117) .
ومن الأدلة على أن الدعاء عبادة وأن صرفه لغير الله شرك قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] (العنكبوت: 65) ، فأخبر عن هؤلاء المشركين بأنهم يشركون بالله في رخائهم، ويخلصون له في كربهم وشدتهم، فكيف بمن يشرك بالله في الرخاء والشدة عياذا بالله.
2 - شرك النية والإرادة والقصد، وذلك أن ينوي بأعماله الدنيا أو الرياء أو السمعة، إرادة كلية كأهل النفاق الخلص، ولم يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، فهو مشرك الشرك الأكبر، قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16] (هود: 15-16) .
وهذا النوع من الشرك دقيق الأمر بالغ الخطورة.
3 - شرك الطاعة، فمن أطاع المخلوقين في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، ويعتقد ذلك بقلبه أي أنه يسوغ لهم أن يحللوا ويحرموا ويسوغ له ولغيره طاعته في ذلك مع علمه بأنه مخالف لدين الإسلام فقد اتخذهم أربابا من دون الله وأشرك بالله الشرك الأكبر.
قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] (التوبة: 31) .
(1/62)

وتفسير الآية الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية (أي في تبديل حكم الله) لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما سأله فقال: لسنا نعبدهم؟ فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية (في تبديل حكم الله) ، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه» ، قال: بلى. قال: «فتلك عبادتهم» ، رواه الترمذي وحسنه، والطبراني في المعجم الكبير (1) .
4 - شرك المحبة، والمراد محبة العبودية المستلزمة للإجلال والتعظيم والذل والخضوع التي لا تنبغي إلا لله وحده لا شريك له، ومتى صرف العبد هذه المحبة لغير الله فقد أشرك به الشرك الأكبر، والدليل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] (البقرة: 165) .
2 - النوع الثاني من أنواع الشرك، الشرك الأصغر: وهو كل ما كان ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه أو ما جاء في النصوص تسميته شركا ولم يصل إلى حد الأكبر، وهو يقع في هيئة العمل وأقوال اللسان. وحكمه تحت المشيئة كحكم مرتكب الكبيرة.
ومن أمثلته ما يلي:
أ- يسير الرياء، والدليل ما رواه الإمام أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) ، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال: (الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى
_________
(1) سنن الترمذي برقم (3095) ، والمعجم الكبير للطبراني (17 / 92) .
(1/63)

الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (1) .
ب- قول: " ما شاء الله وشئت "، روى أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» (2) .
ج- قول: " لولا الله وفلان "، أو قول: " لولا البط لأتانا اللصوص "، ونحو ذلك، روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] قال: " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لأصحابه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك " (3) .
الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر: بين الشرك الأكبر والأصغر فروق عديدة، أهمها ما يلي:
1 - أن الشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فتحت المشيئة.
_________
(1) مسند أحمد (5 / 428) ، قال المنذري إسناده جيد، الترغيب والترهيب (1 / 48) ، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح، مجمع (1 / 102) .
(2) سنن أبي داود برقم (4980) ، قال الذهبي في مختصر البيهقي (1 / 140 / 2) إسناده صالح.
(3) تفسير ابن أبي حاتم (1 / 62) .
(1/64)

2 - أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
3 - أن الشرك الأكبر مخرج لصاحبه من ملة الإسلام، وأما الشرك الأصغر فلا يخرجه منها.
4 - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد في النار ومحرمة عليه الجنة، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب.

[المطلب الثاني الكفر]
المطلب الثاني: الكفر. أ- تعريفه: الكفر لغة يطلق على الستر والتغطية.
وشرعا: ضد الإيمان، وهو: عدم الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل عن شك وريب، أو إعراض عن ذلك حسدا وكبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة.
ب- أنواع الكفر: الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار، والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.
أولا: الكفر الأكبر. وهو خمسة أنواع:
أ- كفر التكذيب، وهو اعتقاد كذب الرسل عليهم السلام، فمن كذبهم فيما جاؤوا به ظاهرا أو باطنا فقد كفر، والدليل قوله تعالى:
(1/65)

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] (العنكبوت: 68) .
2 - كفر الإباء والاستكبار، وذلك بأن يكون عالما بصدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، لكن لا ينقاد لحكمه ولا يذعن لأمره، استكبارا وعنادا، والدليل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] (البقرة: 34) .
3 - كفر الشك، وهو التردد، وعدم الجزم بصدق الرسل، ويقال له كفر الظن، وهو ضد الجزم واليقين.
والدليل قوله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا - وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا - قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا - لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 35 - 38] (الكهف: 35- 38) .
4 - كفر الإعراض، والمراد الإعراض الكلي عن الدين، بأن يعرض بسمعه وقلبه وعلمه عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] (الأحقاف: 3) .
5 - كفر النفاق، والمراد النفاق الاعتقادي بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر (1) والدليل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3] (المنافقون: 3) .
_________
(1) مدارج السالكين (1 / 346) .
(1/66)

والنفاق على ضربين: 1 - نفاق اعتقاد وهو كفر أكبر ناقل من الملة وهو ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به، أو بغض الرسول، أو بغض ما جاء به، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية لانتصار دين الرسول.
2 - ونفاق عملي وهو كفر أصغر لا ينقل من الملة، إلا أنه جريمة كبيرة وإثم عظيم، ومنه ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث حيث قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» متفق عليه (1) .
وقال عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» ، رواه البخاري (2) .
ثانيا: الكفر الأصغر وهو لا يخرج صاحبه من الملة ولا يوجب الخلود في النار وإنما عليه الوعيد الشديد، وهو كفر النعمة، وجميع ما ورد في النصوص من ذكر الكفر الذي لا يصل إلى حد الكفر الأكبر. ومن الأمثلة عليه:
ما ورد في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] (النحل: 112) .
_________
(1) صحيح البخاري برقم (34) ، وصحيح مسلم برقم (58) .
(2) صحيح البخاري برقم (33) .
(1/67)

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت» ، رواه مسلم (1) .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ، رواه البخاري ومسلم (2) .
فهذا وأمثاله كفر دون كفر وهو لا يخرج من الملة الإسلامية.
لقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10] (الحجرات: 9، 10) ، فسماهم الله عز وجل مؤمنين مع الاقتتال.
ولقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] (النساء: 48) ، فدلت الآية الكريمة على أن كل ذنب دون الشرك تحت المشيئة أي إن شاء الله عذبه بقدر ذنبه وإن شاء عفا عنه من أول وهلة، إلا الشرك به فإن الله لا يغفره كما هو صريح في الآية وقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] (المائدة: 72) .
_________
(1) صحيح مسلم برقم (67) .
(2) صحيح البخاري برقم (121) ، وصحيح مسلم برقم (65) .
(1/68)

[المبحث الخامس ادعاء علم الغيب وما يلحق به]
المبحث الخامس
ادعاء علم الغيب وما يلحق به الغيب هو كل ما غاب عن العقول والأنظار من الأمور الحاضرة والماضية والمستقبلة، وقد استأثر الله عز وجل بعلمه واختص نفسه سبحانه بذلك.
قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] (النمل: 65) ، وقال تعالى: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الكهف: 26] (الكهف: 26) ، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9] (الرعد: 9) .
فلا يعلم الغيب أحد إلا الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عمن هو دونهما.
قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [هود: 31] (هود: 31) ، وقال تعالى عن هود عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ} [الأحقاف: 23] (الأحقاف: 23) ، وقال تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: 50] (الأنعام: 50) ، وقال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 31 - 32] (البقرة: 31- 32) .
ثم إنه سبحانه قد يطلع بعض خلقه على بعض الأمور المغيبة عن طريق
(1/69)

الوحي، كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا - لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 26 - 28] (الجن: 26-28) ، وهذا من الغيب النسبي الذي غاب علمه عن بعض المخلوقات دون بعض، أما الغيب المطلق فلا يعلمه إلا هو سبحانه، ومن ذا الذي يدعي علمه وقد استأثر الله به.
ولهذا فإن الواجب على كل مسلم أن يحذر من الدجاجلة والكذابين المدعين لعلم الغيب المفترين على الله، الذين ضلوا في أنفسهم وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل، كالسحرة والكذابين والمنجمين، وغيرهم.
وفيما يلي عرض لجملة من أعمال هؤلاء التي يدعون بها علم الغيب، ويضلون بها عوام المسلمين وجهالهم، ويفسدون بها عقيدتهم وإيمانهم.
1 - السحر: وهو في اللغة ما خفي ولطف سببه.
وفي الاصطلاح هو عزائم ورقى وعقد يؤثِّر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه بإذن الله، وهو كفر، والساحر كافر بالله العظيم، وما له في الآخرة من خلاق، قال الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] (البقرة: 102) .
(1/70)

ومنه النفث في العقد، قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ - وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ - وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ - وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 1 - 5]
2 - التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية التي لم تقع، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس علما من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» ، رواه أبو داود (1) .
3 - زجر الطير والخط في الأرض: فعن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «العيافة والطيرة والطرق من الجبت» (2) أي من السحر، والعيافة زجر الطير والتفاؤل والتشاؤم بأسمائها وأصواتها وممرها، والطرق الخط يخط في الأرض، أو الضرب بالحصى وادعاء علم الغيب.
4 - الكهانة: وهي ادعاء علم الغيب، والأصل فيها استراق الجن السمع من كلام الملائكة فتلقيه في أذن الكاهن.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» رواه أبو داود وأحمد والحاكم (3) .
_________
(1) سنن أبي داود برقم (3905) .
(2) سنن أبي داود برقم (3907) ، ومسند أحمد (3 / 477) .
(3) سنن أبي داود (3904) ، ومسند أحمد (2 / 429) ، المستدرك (1 / 50) قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(1/71)

5 - كتابة حروف أبا جاد: وذلك بأن يجعل لكل حرف منها قدرا معلوما من العدد ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة، ثم يحكم عليها بالسعود أو النحوس ونحو ذلك.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ((ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق)) ، رواه عبد الرزاق في المصنف (1) .
6 - القراءة في الكف والفنجان ونحو ذلك مما يدعي به بعض هؤلاء معرفة الحوادث المستقبلة من موت وحياة وفقر وغنى وصحة ومرض ونحو ذلك.
7 - تحضر الأرواح: ويزعم أربابه أنهم يستحضرون أرواح الموتى ويسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب وغير ذلك، وهو نوع من الدجل والشعوذة الشيطانية، ويراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على الجهال وأكل أموالهم بالباطل والتوصل إلى دعوى علم الغيب.
8 - التطير: وهو التشاؤم بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرها، وهذا باب من الشرك وهو من إلقاء الشيطان وتخويفه.
فعن عمران بن حصين مرفوعا: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» ، رواه البزار (2) .
_________
(1) المصنف (11 / 26) .
(2) مسند البزار (9 / 52) (3578) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5 / 117) رجاله رجال الصحيح.
(1/72)

والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدين، ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين.
كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة
 [الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات]
[تمهيد في الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك على المسلم]
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد: الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك على المسلم.
المبحث الأول: تعريفه وأدلته.
أولا: تعريفه.
ثانيا: المنهج الحق في إثباته.
ثالثا: أدلة هذا المنهج.
المبحث الثاني: أمثلة تطبيقية لإثبات الأسماء والصفات في ضوء الكتاب والسنة.
المبحث الثالث: قواعد في باب الأسماء والصفات.
(1/75)

التمهيد: الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك في سلوك المسلم إن للإيمان بأسماء الله وصفاته آثارا عظيمة في نفس المسلم وتحقيقه لعبادة ربه. فمن آثارها تلك المعاني التي يجدها العبد في عبوديته القلبية التي تثمر التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه، وحفظ جوارحه، وخطرات قلبه، وضبط هواجسه حتى لا يفكر إلا فيما يرضي الله تعالى، ويحب لله وفي الله، به يسمع، وبه يبصر، ومع ذلك هو واسع الرجاء وحسن الظن بربه.
هذه المعاني وغيرها مما يتعلق بالإيمان بمعاني الأسماء والصفات تثمر العبودية الظاهرة والباطنة على تفاوت بين شخص وآخر وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فلاسمه "الغفار" أثره العظيم في محبته وعدم اليأس من رحمته ولاسمه " شديد العقاب " أثره الكبير في خشيته وعدم الجرأة على محارمه. وهكذا لأسمائه الأخرى وصفاته آثارها بحسب دلالاتها المتنوعة في نفس المسلم واستقامته على شرع الله بل وتحقيق محبته في القلوب التي هي أساس سعادة المسلم في الدنيا والآخرة، ومفتاح كل خير وأعظم عون للعبد على عبادته لربه على أكمل الوجوه إذ الأعمال الظاهرة تخف وتثقل على النفس بحسب المحبة القلبية لله تعالى.
فإكمال العمل وتحسينه على ما أراد الله منوط بالمحبة القلبية لله. والمحبة منوطة بمعرفة الله بأسمائه وصفاته. ولهذا كان أعظم الناس عبادة لله رسل الله الذين هم أعظم الناس محبة له وأعرفهم به.
(1/76)

[المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات وأدلته]
المبحث الأول
تعريف توحيد الأسماء والصفات وأدلته أولا: تعريفه: توحيد الأسماء والصفات: هو إثبات ما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ونفي ما نفى الله عن نفسه، ونفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات والإقرار لله تعالى بمعانيها الصحيحة ودلالاتها واستشعار آثارها ومقتضياتها في الخلق.
ثانيًا: المنهج في إثباته: يقوم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات على الإيمان الكامل والتصديق الجازم بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
والتحريف: هو التغيير وإمالة الشيء عن وجهه. وهو قسمان:
1 - تحريف لفظي. وذلك بالزيادة في الكلمة أو النقص أو تغيير حركة في الكلمة كتحريف كلمة استوى في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] (طه: 5) إلى استولى. قال صاحب النونية:
نون اليهود ولام جهمي هما ... في وحي رب العرش زائدتان
2 - تحريف معنوي. وذلك بتفسير اللفظ على غير مراد الله ورسوله منه
(1/77)

كمن فسر " اليد " لله تعالى بالقوة أو النعمة. فإن هذا تفسير باطل لا يدل عليه الشرع ولا اللغة.
والتعطيل: هو نفي صفات الله تعالى كمن زعم أن الله تعالى لا يتصف بصفة.
والفرق بين التحريف والتعطيل هو أن التحريف نفي المعنى الصحيح الذي دلت عليه النصوص واستبداله بمعنى آخر غير صحيح أما التعطيل فهو نفي المعنى الصحيح من غير استبدال له بمعنى آخر.
والتكييف: تعيين كيفية الصفة والهيئة التي تكون عليها كفعل بعض المنحرفين في هذا الباب الذين يكيفون صفات الله فيقولون كيفية يده: كذا وكذا، وكيفية استوائه على هيئة كذا وكذا. فإن هذا باطل إذ لا يعلم كيفية صفات الله إلا هو وحده وأما المخلوقون فإنهم يجهلون ذلك ويعجزون عن إدراكه.
والتمثيل: هو التشبيه كمن يقول لله سمع كسمعنا ووجه كوجوهنا تعالى الله عن ذلك.
وينتظم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات في ثلاثة أصول من حققها سلم من الانحراف في هذا الباب. وهي:
الأصل الأول: تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.
الأصل الثاني: الإيمان. بما سمى ووصف الله به نفسه وبما سماه ووصفه به
(1/78)

رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته.
الأصل الثالث: قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله تعالى لأن إدراك المخلوق لذلك مستحيل.
فمن حقق هذه الأصول الثلاثة فقد حقق الإيمان الواجب في باب الأسماء والصفات على ما قرره الأئمة المحققون في هذا الباب.
ثالثًا: أدلة هذا المنهج: دلت الأدلة من كتاب الله تعالى على تقرير هذا المنهج.
فمن الأدلة على الأصل الأول: وهو تنزيه الرب عز وجل عن مشابهة المخلوقين، قول الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] (الشورى: 11) . ومقتضى الآية نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق من كل وجه مع إثبات السمع والبصر لله عز وجل وفي هذا إشارة إلى أن ما يثبت لله من السمع والبصر ليس كما يثبت للمخلوقين من هاتين الصفتين مع كثرة من يتصف بهما من المخلوقين. وما يقال في السمع والبصر يقال في غيرهما من الصفات. واقرأ قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] أورد ابن كثير في تفسير الآية ما رواه البخاري في التوحيد (13 / 372) والإمام أحمد في المسند (6 / 46) عن عائشة رضي الله عنها قالت: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع فأنزل الله عز وجل
(1/79)

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] إلى آخر الآية " (1) .
ومن الأدلة أيضًا قول الله تعالى: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74] (النحل: 74) . قال الطبري في تفسير الآية: " فلا تمثلوا لله الأمثال ولا تشبهوا له الأشباه فإنه لا مثل له ولا شبه " (2) .
وقال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] (مريمَ: 65) قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: " هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا ".
ومن الأدلة لهذا الأصل: قول الله تبارك وتعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] (الإخلاص: 4) قال الطبري: " ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء ".
ومن الأدلة على الأصل الثاني: وهو الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته، قول الله عز وجل: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] (البقرة: 255) . وقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] (الحديد: 3) . وقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ - هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 22 - 24] (الحشر: 22- 24) .
_________
(1) ابن كثير (8 / 60) .
(2) الطبري (7 / 621) .
(1/80)

ومن السنة حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: «اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدَّيْن وأغْنِنا من الفقر» (1) . والنصوص في تقرير هذا الباب كثيرة تجل عن الحصر.
وأما الأصل الثالث وهو قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله تبارك وتعالى فقد دل عليه قول الله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] (طه: 110) . قال بعض أهل العلم في معنى الآية: " لا إحاطة للعلم البشري برب السماوات والأرض فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها ".
ومن الأدلة لهذا الأصل أيضًا قول الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] (الأنعام: 103) قال بعض العلماء في معرض حديثه عن الآية: " وهذا يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك وهو الإحاطة بالشيء قدر زائد على الرؤية فالرب يرى في الآخرة ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط بعلمه ". وينبغي
_________
(1) صحيح مسلم برقم (2713) .
(1/81)

للعاقل أن يعلم أن للعقل حدا يصل إليه ولا يتعداه كما أن للسمع والبصر حدا ينتهيان إليه، فمن تكلف ما لا يمكن أن يدرك بالعقل كالتفكر في كيفية صفات الله، فهو كالذي يتكلف أن يبصر ما وراء الجدار أو يسمع الأصوات في الأماكن البعيدة جدا عنه.
(1/82)

[المبحث الثاني أمثلة تطبيقية لإثبات الأسماء والصفات]
المبحث الثاني
أمثلة تطبيقية لإثبات الأسماء والصفات في ضوء الكتاب والسنة دل الكتاب والسنة على إثبات الأسماء والصفات للرب عز وجل في مواطن كثيرة من أوجه متعددة وفي سياقات متنوعة.
والأسماء والصفات الثابتة بالكتاب والسنة كثيرة جدًّا دونت فيها الكتب والمصنفات وعد أهل العلم الكثير منها. ونذكر هنا طائفة منها على سبيل التمثيل لا الحصر.
فمن أسماء الله تعالى:
الحي والقيوم: وقد دل على هذين الاسمين الكتاب والسنة. فمن الكتاب قول الله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] (البقرة: 255) . ومن السنة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد ودعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به
(1/83)

أعطى» (1) .
الحميد: وقد دل عليه قول الله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] (البقرة: 267) . ومن السنة حديث كعب بن عُجْرَة في التشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم أن يقولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . . .) (2) .
الرحمن والرحيم: وقد دل عليهما قول الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2 - 3] (الفاتحة: 2، 3) .
ومن السنة أمر النبي صلى الله عليه وسلم كاتبه يوم الحديبية عند كتابة الصلح بينه وبين المشركين أن يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) (3) .
الحليم: ودليله من القرآن قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41] (فاطر: 41) . ومن السنة حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم» . .) الحديث (4) .
_________
(1) رواه الحاكم برقم (1856) وقال: صحيح على شرط مسلم ووفقه الذهبي.
(2) صحيح البخاري برقم (3370) ، ومسلم برقم (406) .
(3) صحيح البخاري برقم (2731) .
(4) رواه البخاري برقم (6345) ، ومسلم برقم (2730) .
(1/84)

ومن صفات الله:
القدرة: وهي صفة ذاتية لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة. ومعنى ذاتية: أي ملازمة لذات الله لا تنفك عنه سبحانه. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] (البقرة: 20) . ومن السنة حديث عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا وقل، سبع مرات: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» (1) .
الحياة: وهي من صفات الله الذاتية. وهي مشتقة من اسمه الحي وقد تقدم ذكر الأدلة عليها.
العلم: صفة ذاتية لله تعالى وثبوتها بالكتاب والسنة. قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] (البقرة: 255) . ومن السنة حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» . . .) (2) .
الإرادة: وهي صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة. والصفات الفعلية هي المتعلقَة
_________
(1) رواه مسلم برقم (2202) .
(2) رواه البخاري برقم (6382) .
(1/85)

بمشيئة الله وقدرته إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها. قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] (الأنعام: 125) . ومن السنة حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابًا، أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم» (1) .
العلو: وهو صفة ذاتية ثابتة بالكتاب والسنة. قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] (الأعلى: 1) . وقال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] (النحل: 50) . ومن السنة حديث أبي هريرة المتقدم في المبحث الأول في الذكر عند النوم وفيه: (. . . «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء» . . .) (2) .
الاستواء: وهو صفة فعلية لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة. قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] (طه: 5) . وعن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه» (3) . ومعنى الاستواء في
_________
(1) رواه مسلم برقم (9287) .
(2) رواه مسلم برقم (2713) .
(3) رواه الذهبي في العلو برقم (119) وقال: رواته ثقات، رواه الخلال في كتاب السنة.
(1/86)

لغة العرب: العلو والارتفاع، والاستقرار والصعود واستواء الله تعالى على عرشه استواء يليق بجلاله.
الكلام: وهو صفة ذاتية باعتبار النوع وصفة فعلية باعتبار أفراد الكلام فهو سبحانه يتكلم متى شاء وكيف شاء بكلام مسموع، وقد دل على صفة الكلام الأدلة من الكتاب والسنة. قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] (النساء: 164) ، {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] (الأعراف: 143) .
ومن السنة حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة. قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده» . . .) الحديث (1) .
الوجه: وهو صفة ذاتية خبرية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة. قال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272] (البقرة: 272) . وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] (الرحمن: 27) ، ومن السنة حديث جابر بن عبد الله قال: (لما نزلت: هذه الآية {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» . فقال: {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: 65] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» . قال {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} [الأنعام: 65] (الأنعام: 65) . فقال
_________
(1) رواه البخاري برقم (6614) ، ومسلم برقم (2652) .
(1/87)

النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أيسر» (1) .
اليدان: وهي صفة ذاتية خبرية لله عز وجل وثبوتها بالكتاب والسنة. قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] (المائدة: 64) . وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] (ص: 75) . ومن السنة حديث أبي موسى الأشعري الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (2) .
العينان: وهي صفة ذاتية خبرية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة. فمن الكتاب قول الله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] (طه: 39) . وقوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [هود: 37] (هود: 37) . ومن السنة حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله لا يَخْفى عليكم إن اللهّ ليس بأعور وأشار بيده إلى عينيه، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأنّ عينه عنبة طافية» (3) .
القدم: وهي صفة ذاتية ثابتة للرب عز وجل بالأحاديث الصحيحة. ومن ذلك
_________
(1) رواه البخاري برقم (7406) .
(2) رواه مسلم برقم (2759) .
(3) رواه البخاري برقم (7407) ، ومسلم برقم (2933) .
(1/88)

حديث أبي هريرة في تحاجج الجنة والنار وفيه: (. . . «فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله، تقول قط قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض» . . .) (1) . وفي بعض الروايات في الصحيحين «فيضع قدمه عليها» . . .) (2) .
وأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة كثيرة لا تحصى وإنما هذه أمثلة ويجب على المسلم إثباتها لله تبارك وتعالى على ما يليق بجلاله وكماله، كما أثبتها الله لنفسه في كتابه، وهو أعلم بنفسه من خلقه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته وهو أعلم الخلق بربه وأكملهم نصحًا وأفصحهم وأبلغهم بيانًا وأتقاهم وأخشاهم له، وليحذر من تعطيل الله من صفاته أو تشبيهها بصفات المخلوقين لأن الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] (الشورى: 11) .
_________
(1) رواه البخاري برقم (4850) ومسلم برقم (2846) .
(2) رواه البخاري برقم (4848، 4849) ومسلم برقم (2848) .
(1/89)

[المبحث الثالث قواعد في باب الأسماء والصفات]
[القاعدة الأولى القول في الصفات كالقول في الذات]
المبحث الثالث
قواعد في باب الأسماء والصفات القاعدة الأولى: القول في الصفات كالقول في الذات وبيانها: أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته، ولا أفعاله. فإذا كان لله ذات حقيقية لا تماثل الذوات بلا خلاف فكذلك الصفات الثابتة له في الكتاب والسنة، هي صفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات فالقول في الذات والصفات من باب واحد.
وهذه قاعدة عظيمة يناقش بها من ينكر الصفات مع إثباته الذات فإن إثبات الذات للرب عز وجل محل إجماع الأمة.
فإذا قال قائل: لا أثبت الصفات لأن في إثباتها تشبيهًا لله بخلقه.
يقال له: أنت تثبت لله ذاتًا حقيقية وتثبت للمخلوقين ذواتًا أفليس هذا تشبيهًا على قولك!! فإن قال: إنما أثبت ذاتًا لله لا تشبه الذوات ولا يسعه غير هذا. قيل له يلزمك هذا في باب الصفات فإن كانت الذات لا تشبه الذوات وهو حق فكذلك صفات الذات الإلهية لا تشبه الصفات. فإن قال: كيف أثبت صفة لا أعلم كيفيتها. قلنا: له كما تثبت ذاتًا لا تعلم كيفيتها.

[القاعدة الثانية القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر]
القاعدة الثانية: القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر وشرحها: أن القول في بعض صفات الله من حيث الإثبات والنفي
(1/91)

كالقول في البعض الآخر وهذه القاعدة يخاطب بها من يثبت بعض الصفات وينكر البعض الآخر. فإذا كان الرجل يثبت بعض الصفات كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها ويجعل ذلك كله حقيقة ثم ينازع في صفة المحبة والرضا والغضب وغيرها، ويجعل ذلك مجازًا فيقال له: لا فرق بين ما أثبته وبين ما نفيته فالقول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن كنت تثبت له حياة وعلمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا لا تشبه ما يثبت للمخلوقين الذين يتصفون بهذه الصفات فكذلك يلزمك أن تثبت له محبة ورضًا وغضبًا كما أخبر هو عن نفسه من غير مشابهة للمخلوقين وإلا وقعت في التناقض.

[القاعدة الثالثة الأسماء والصفات توقيفية]
القاعدة الثالثة: الأسماء والصفات توقيفية أسماء الله وصفاته توقيفية لا مجال للعقل فيها وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف على النص. قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] (الإسراء: 36) . وقد كان أئمة الإسلام على هذا المنهج. قال الإمام أحمد رحمه الله: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث) . وقرر بعض أهل العلم أن العلم بالشيء حتى يُمكن وصفه له ثلاثة طرق: إما رؤيتَه، أو رؤية مثيله، أو وصفه ممن يعرفه. وعِلْمُنَا بِرَبِّنا وأسمائه وصفاته محصور في الطريق الثالث وهو وصفه ممن يعرفه وليس أحد أعلم بالله من الله ثم رسله
(1/92)

الذين أوحى إليهم وعلمهم فوجب لزوم طريق الوحي في أسماء الله وصفاته إذ لم نر ربنا في الدنيا فنصفه وليس له مثيل من خلقه فيوصف بوصفه، تعالى ربنا وتقدس.

[القاعدة الرابعة أسماء الله كلها حسنى]
القاعدة الرابعة: أسماء الله كلها حسنى أسماء الله كلها حسنى أي بالغة في الحسن غايته. قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] (الأعراف: 180) وذلك لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول وهو الله عز وجل ولأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرًا.
مثال ذلك: (الحي) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها. ومثال آخر: (العليم) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان. قال تعالى {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52] (طه: 52) العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه. كما قال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] (غافر: 19) .
والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراد، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى آخر كمال فوق كمال.
مثال ذلك: (العزيز الحكيم) فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو العزة في
(1/93)

العزيز والحكم والحكمة في الحكيم. والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن العزة لله تعالى مقرونة بالحكمة فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا كما يكون من بعض أعزاء المخلوقين فإن بعضهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل. هذا والله أعلم.
وفي ختام هذا الباب نشير إلى جملة من الفوائد والثمرات التي يجنيها المسلم بتحقيقه لهذا الأصل العظيم وهو الإيمان بالله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فمن ذلك:
1 - أن العبد ينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة، بل إن السعادة في الدارين متوقف الحصول عليها على الإيمان بالله، فحظ العبد منها بحسب حظه من إيمانه بربه وأسمائه وصفاته وألوهيته.
2 - أن إيمان العبد بربه وأسمائه وصفاته هو أعظم أسباب خوفه سبحانه وخشيته وتحقيق طاعته، فكلما كان العبد بربه أعرف كان إليه أقرب، ومنه أخشى، ولعبادته أطلب، وعن معصته ومخالفته أبعد.
3 - أن العبد ينال بذلك طمأنينة قلبه، وراحة نفسه، وأنس خاطره، والأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة. والله تعالى يقول {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] (الرعد: 28) .
4 - أنَّ نيل ثواب الآخرة متوقف على الإيمان بالله وصحته، فبتحقيقه وتحقيق لوازمه ينال العبد ثواب الآخرة فيدخل جنة عرضها السماء والأرض فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وينجو من النار وعذابها الشديد، وأعظم من ذلك كله أن يفوز برضى الرب سبحانه فلا يسخط عليه أبدًا، ويتلذذ يوم القيامة بالنظر إلى
(1/94)

وجهه الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
5 - أن الإيمان بالله هو الذي يصحح الأعمال ويجعلها مقبولة، فبفقده لا تقبل بل ترد على صاحبها وإن كثرت وتنوعت، قال تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5] (المائدة: 5) . وقال تعالى {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] (الإسراء: 19) .
6 - أن الإيمان الصحيح بالله يحمل صاحبه على التزام الحق واتباعه علمًا وعملًا، ويكسب العبد الاستعداد التام لتلقي المواعظ النافعة والعبر المؤثرة، ويوجب سلامة الفطرة، وحسن القصد، والمبادرة إلى الخيرات، ومجانبة المحرمات والمنكرات، ولزوم الأخلاق الحميدة، والخصال الكريمة، والآداب النافعة.
7 - أنَّ الإيمان بالله ملجأ المؤمنين في كل ما يلم لهم من شرور وحزن وأمن وخوف وطاعة ومعصية وغير ذلك من الأمور التي لا بد لكل أحد منها، فعند المحاب والسرور يلجؤون إلى الإيمان بالله فيحمدون الله ويثنون عليه ويستعملون نعمته فيما يحب، وعند المكاره والأحزان يلجؤون إلى الإيمان بالله فيتسلون بإيمانهم وما يترتب عليه من الأجر والثواب، وعند المخاوف والأحزان يلجؤون إلى الإيمان بالله فتطمئن قلوبهم ويزداد إيمانهم وتعظم ثقتهم بربهم، وعند الطاعات والتوفيق للأعمال الصالحات يلجؤون إلى الإيمان بالله فيعترفون بنعمته عليهم، ويحرصون على تكميلها، ويسألونه الثبات عليها والتوفيق لقبولها، وعند الوقوع في شيء من المعاصي يلجؤون إلى الإيمان بالله فيبادرون إلى التوبة منها والتخلص من شرورها وأوضارها، فالمؤمنون في جميع تقلباتهم وتصرفاتهم ملجؤهم إلى الإيمان بالله وحده.
(1/95)

8 - أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته توجب محبة الله في القلوب إذ أن أسماء الله وصفاته كاملة من كل وجه والنفوس قد جبلت على حب الكمال والفضل فإذا تحققت محبة الله في القلوب انقادت الجوارح بالأعمال وتحققت الحكمة التي خلق العبد من أجلها وهي عبادة الله.
9 - أن العلم بالأسماء والصفات يورث قوة اليقين بانفراد الله تعالى بتصريف شؤون الخلق وانفراده بذلك لا شريك له وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله في جلب المصالح الدينية والدنيوية وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه فمن توكل على الله فهو حسبه.
10 - إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا، وهي إما علم بما كونه، وإما علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه. فمن أحصى أسماء الله كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم.



1 komentar: